أخر الأخبار / المصرى اليوم

الكويت.. والتى هى أحسن

اشترك لتصلك أهم الأخبار

لا أستطيع إلا أن أقول، كان الله فى عون الكويت، فى زمن لا مجال فيه للضعفاء، لا أقصد بالضعفاء هنا أى أمر مشين، ذلك أن الكويت قوى بشعبه وباقتصاده وبالإيمان بالله، أقصد الضعفاء عسكرياً، وسط غابة من الحيتان أو الجبابرة. قديما، كانت الدول الضعيفة تخشى من الإمبراطوريات، أو من دول الاستعمار تحديداً، الآن أصبحت الدول الضعيفة تخشى شرور الشقيقة، تخشى من دول الجوار، رغم ما يربطها من علاقات القربى والنسب والمصاهرة والدم الواحد والعرق الواحد، إلى غير ذلك من كثير، هكذا يعانى الكويت كما عانى فى السابق، فى ستينيات القرن الماضى، وليس خلال غزو ١٩٩٠ فقط، وهكذا تعانى الجمهورية اليمنية الآن، وهكذا تعانى دولة قطر، وهكذا يعانى السوريون.

على مدى ثلاثة أيام، شاركتُ بالكويت فى فعاليات المؤتمر الدولى حول إعمار العراق، بحضور دولى كثيف، ومشاركة مصرية رسمية برئاسة المهندس إبراهيم محلب، مساعد رئيس الجمهورية، ووزيرى الإسكان والكهرباء، كانت هناك شركات مصرية، كما شركات عربية ودولية.. إعمار العراق يحتاج إلى الكثير من الجهد والمال، يمكن أن يتسع المجال لأكبر عدد من الشركات فى العالم، بالتأكيد اختيار المهندس إبراهيم محلب لقيادة الوفد له أهدافه، بحكم خبرة الرجل فى هذا المجال المتعلق بالإعمار، بحكم كونه فى السابق رئيساً لشركة المقاولون العرب، مشاركة وزيرى الإسكان والكهرباء كذلك.

المؤتمر يُثرى ويُغرى، ١٥٠٠ شركة من ٥٠ دولة، الكويت رصد أموالاً طائلة لهذا الغرض، بعضها من الحكومة، والبعض الآخر من الجمعيات الخيرية، أى أن المساهمة رسمية وشعبية، هذه ليست المرة الأولى.. خلال السنوات القليلة الماضية، قدم الكويتيون الكثير فى هذا المجال، أنشأوا الكثير من المشروعات فى العراق، وما أدراك ما العراق، الكويتيون يحاولون تجاوز آثار الماضى النفسية، كما يحاولون أيضاً أن ينسى العراق نزعات الماضى التوسعية، يريدون أن يتعايشوا إخوة، انطلاقاً من قاعدة (ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَن فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، على الرغم من أن الكويت هو الطرف المعتدَى عليه.

الغريب فى الأمر هو أننا سوف نكتشف ملاحظتين على قدر كبير من الأهمية، الأولى: هى أن أولى الأمر أو أصحاب القرار فى الكويت يدركون أن هذه القضية صعبة إلى أبعد حد، أى أن الأطماع العراقية ستظل، لم تنته، وسوف تتفجر يوماً ما، إلا أنهم يحاولون فعل ما يستطيعون، قد ينجحون فى صناعة تاريخ جديد قائم على حسن الجوار والتعايش السلمى، قد تحفظ الأجيال الجديدة الجميل، ممثلاً فى تلك المساعدات السخية فى زمن يحتاج فيه العراق إلى الكثير، قال لى أحد المسؤولين الكويتيين: حتى الديون وافقنا على تأجيل سدادها.

الملاحظة الثانية: هى أن هناك انقساماً شعبياً كبيراً فى الكويت حول مثل هذا السخاء، بالتالى هم منقسمون حول المؤتمر، المعترضون أطلقوا دعوات بوقف التبرع للجمعيات الخيرية التى تبرعت للعراق، ليكون التبرع مستقبلاً للمحتاجين مباشرةً، يرون أن المواطن الكويتى أَوْلى بهذه الأموال، هناك مديونيات للبنوك، هناك مساجين بسبب هذه المديونيات، هناك فئة «البدون» الذين يصل عددهم إلى مائة ألف شخص فى حاجة إلى المساعدة، كما يرون أيضاً أن العراق بحكم ثرواته يعد من أغنى دول العالم، إلا أنه الفساد المستشرى هناك، بالتالى لا يجب دعم فاسدين، الكلام فى الشارع الكويتى بقوة، كما على مواقع التواصل أكثر قوة، أصوات ضئيلة تلك التى تطالب بنسيان الماضى والنظر للعراق على أنه الدولة الأولى بالرعاية مهما كانت المرارة.

المشاركة العراقية فى مؤتمر الإعمار قوية جداً على كل المستويات، السياسية والاقتصادية والإعلامية، أيضاً التعويل على المؤتمر كبير، حتى إن إحدى الصحفيات، والتى أعتقد أنها كردية، وجهت سؤالاً لوزير خارجية الكويت خلال مؤتمر صحفى قالت فيه: «لا أرى محافظة أربيل على خريطة الإعمار»، وذلك على الرغم من أن أربيل كانت بعيدة عن الدمار، سواء خلال الغزو الأمريكى أو الداعشى أو المواجهات العراقية العراقية، كما كانت تسعى إلى الاستقلال حتى وقت قريب، وهو ما يؤكد أن المهمة الكويتية ممتدة من الجنوب فى البصرة حتى الشمال فى السليمانية وأربيل، أو هكذا يُعوِّل العراقيون.

المشكلة الآن فى الداخل العراقى ليست فى النزاعات الطائفية واستشراء الفساد فقط، بقدر ما هى السيطرة الإيرانية سياسياً على أرض الواقع، أصبح الكويت رهناً بالتوسع العراقى والإيرانى فى آن واحد، فى غياب عرب ١٩٩٠، وفى غياب قادة ١٩٩٠ أيضاً، كان الموقف شبه موحد فى الماضى، الآن طال التشرذم دول مجلس التعاون الخليجى، الكويتيون يعون ذلك جيداً، أصبحوا يحاربون معركتهم وحدهم، قد تكون قلاقل الداخل العراقى مصلحة فى حد ذاتها، إلا أنها مغامرة غير مضمونة العواقب، الرهان الآن على استقرار العراق وتنمية العراق، ليصبح الدور على العراق قيادةً وشعباً، فى المناهج التعليمية، كما فى وسائل الإعلام، كما فى الممارسة الفعلية، لعل الله يُحدث بعد ذلك أمراً.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا