إفتح قلبك / المصريون

قصة لم يحتمل قلبي معانيها!!!

فترة عصيبة مرت بي قريبًا؛ اضطرتني للبحث بشكل ضروري عن سيدة أو فتاة كي تقوم بمعاونتي في الأعمال المنزلية، وإذا بي أصادف إعلانًا عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي عن استعداد صاحبة أحد الحسابات للعمل بالمنازل بشروط ومواعيد معينة، فبادرت بالاتصال برقم الهاتف المرفق بالإعلان البسيط المنمق بأسلوب أدبي محترم، اتفقت معها على جميع التفاصيل تقريبًا، وحددت هي الموعد المتوافق مع مواعيدي لحضورها عندي!!

في اليوم المتفق عليه وصلت في الموعد المحدد بالضبط، خرجت لاستقبالها كي أشرح لها ماذا ستفعل بالتحديد، وللوهلة الأولي عندما وقعت عيناي عليها وجدتني وكأن ماءً مثلجًا قد صُب على جسدي من أعلى رأسي، لم تتحرك أطرافي ولم أتفوه بكلمة من فمي الذي تباعدت شفتاه عن بعضهما البعض من هول المفاجأة.

نعم مفاجأة فلقد فوجئت بأن من تأتي لتعاونني في الأعمال المنزلية كانت إحدى زميلاتي بالجامعة، ولكن هي كانت ملتحقة بكلية عملية مختلفة عن كليتي النظرية ولكنني كنت قد تعرفت عليها عن طريق زميلة أخري، وكنت أحبها كثيراً لالتزامها وأخلاقها العالية وتواضعها وطيبتها، وقبل امتحانات الليسانس، كان تواصلنا قد انقطع لأنني تزوجت منذ بداية العام الدراسي الثالث لي بالكلية، وانشغلت بتعبي في حمل ابني الأول وفقط من كان يسأل عنى هن زميلاتي المقربات من نفس كليتي.. ولا أخفي عليكم كنت محرجة جدا في البداية، فهي أيضًا عرفتني واندهشت ولكن بوطأة أهون نوعًا ما.

ولكنني تشجعت وسألتها: كيف؟!! كيف يحدث هذا مع زميلتي الطالبة المتفوقة دراسيًا، النابغة في تخصصها وفي معاملتها مع الآخرين؟! كيف والجميع كان يعلم عنها أنها ابنة حسب ونسب ووالدها كان من أفضل المقرئين في بلدتهم قبل مجيئه واستقراره هنا في المدينة بأسرته ليلتحق بالعمل في شركة محترمة براتب مجزٍ؟!! وأين المشاريع الهندسية التي كانت تختمر في عقل المهندسة الصغيرة؟! أين كل هذا وكيف وصل بكِ الحال إلي هذا العمل البسيط المتواضع؟!!

أومأت برأسها وتنهدت زميلتي الفاضلة تنهيدة طويلة بطول سنوات مؤلمة استدعت ذاكرتها من خلالها ما ألّم بها، جلست السيدة الجميلة والتي كانت محط إعجاب معظم من يراها لشدة جمالها، الذي يتبقي آثار منه بوضوح ولكن تكاد تتلاشي معالمه الباقية بسبب عوامل رياح الزمن العاتية التي أحدثت فيه ما أحدثت، وبدأت تحكي لي بلسانها وعيناها يملؤها الأسي:

"عندما تفوقت بالثانوية العامة وكنت الأولي علي قريتنا، في نفس الوقت الذي تزامن مع حصول أبي علي وظيفة مميزة بالمدينة التي كنت سأدرس بها، فاضطر أبي إلي بيع منزلنا بالقرية وانتقلنا للعيش بهذه المدينة، وبعد فترة قصيرة مرض أبي مرضًا شديدًا؛ مما اضطره إلي ترك العمل بالشركة الجديدة، ونظراً لأن كليتي كانت تحتاج إلي مصاريف مرتفعة لم أستطع أن أستمر في دراستي حتي بعد تفوقي من أول عامين بالكلية، وحلمي أن أصبح معيدة بها، ولكن قدر الله وما شاء فعل، فأبي كان بحاجة إلي علاج مُكلِف مادياً، فضلاً عن كوني الأخت الكبيرة لستة من الإخوة والأخوات معظمهم في مراحل دراسية مختلفة، عملت في أكثر من مكان لمساعدة أسرتي وبعد وفاة أبي تكفلت بإخوتي أنا ووالدتي التي التحقت بالعمل كموظفة أيضاً بأحد المكاتب لأنها كانت صاحبة مؤهل عالٍ، وبفضل الله ثم مساعدة بعض الكرام من أهلنا واصلنا تعليم إخوتي الصغار وتجهيز أختي الأصغر مباشرة للزواج، وبعدها تقدم لي أحد الرجال الملتزمين وعلي خلق، وكان يعمل بإدارة أحد المتاجر، وبفضل الله تزوجنا وكان خير زوج لي يتقي الله في أنا وأهلي لأبعد الحدود ويساعدنا ماديًا بطيب نفس وحسن عشرة، وكنت أحمد الله علي أنني تزوجته لدماثة خلقه، رزقني الله منه بثلاثة أبناء، وكان يعززنا في المعيشة مثلما كان يعززنا أبي رحمه الله..

يوماً ما أصيب زوجي في حادث أدي إلي بتر ساقيه، وبالطبع أصبح قعيداً عن العمل ولا حول ولا قوة إلا بالله! إلا فيما يخص بعض الأعمال التسويقية عبر الإنترنت والتي تركها أيضاً بعدما اشتدت عليه آلام مرض آخر أصابه واللهم لا اعتراض! أما أنا فلقد تنقلت من عمل إلي آخر بسبب طمع بعض ضعاف النفوس في وفي شبابي واستغلالاً لظروفي، حتي مع عروض الزواج من آخرين حتي أطلب الطلاق من زوجي الحبيب، فرفضت تماماً وتعففت لأقي نفسي شر الفتن، إلي أن استقررت في عمل بأحد المصانع، والحمد لله، ولكن نظراً لكثرة المسئوليات علي عاتقي، اضطررت أن أعمل عملاً آخر شريف بالمنازل، فهو العمل الوحيد الذي أستطيع الآن أن أحدد مواعيده ولا يتعارض مع مواعيد عملي بالمصنع، فنحن في حاجة كبيرة إلي هذا المال الذي أتكسبه منه، فمصاريف علاج زوجي الغالي وابنتي المريضة، وبعض المساعدات لأمي وأخوتي، فضلاً عن مفاجأة أخري!! فأنا زوجة ثانية، نعم، فزوجي متزوجاً قبلي من امرأة أخري طيبة ومحترمة، كانت لا تنجب ومرضت مرضاً يمنعها عن العلاقة الزوجية فطلبت من زوجي الزواج من أخري عن طيب نفس، وأنا أحبها كثيراً وأعاملها كأختي الكبيرة، ونظراً لأن ليس لها من يعولها غيرنا بعد الله، فأنا وشقيقتي الآن من نقوم برعايتها، وأنا من أتحمل الإنفاق عليها أيضاً، فهي وزوجي يستحقان كل خير بالدنيا لأنهما كريمان وجديران بالتكريم".

أنهت قصتها، ولكنني لم أنتهِ وقتها من البكاء، وعن قول: سامحيني حبيبتي فلا أستطيع أن أتمالك نفسي أمام صورة من صور تحول الدنيا علي الكرام الأفاضل، وأمام نبل أخلاقك ووفائك وإخلاصك لزوجك الكريم، وتضحيتك معه ومع والدك وأخوتك، وروعتك وكرمك مع ضرتك التي أكاد أجن من غرابتها وروعتها!، ولا أستطيع بكلماتي البسيطة المتواضعة أن أوفيك حقك يا غالية جداااا، رحم الله والدك الفاضل وجزاه الله خيراً هو ووالدتك لأنهما من ربياك علي هذا الإخلاص والحب وكيفية تقدير من يسدي إليكم بمعروف وعلماك كيف تحافظين العفيفة علي نفسها وكيف تصون عرضها وشرفها ودينها حتي في أعتي وأحلك الظروف ولا تضيع أبداً من تعول.. جزاك وجزاكم الله جميعاً خير الجزاء.

من قلبي ثم من موقعي هذا أرسل إليها تحية إعزاز وحب وتقدير، فيا من كنت يومًا ما زميلتي وأصبحت الآن صديقتي ولي الشرف والفخر، لك ولكل امرأة عفيفة شهامتها تفوق شهامة الرجال، وقدرها يفوق قدر الكثيرين ممن لا يستحقون الاحترام والتقدير..

وللحق فلقد حاولت إعفاءها عن العمل عندي ووعدتها أنها ستأخذ أجرها المادي مني كاملاً، فرفضت وأقسمت ألا يحدث، وأكدت لي أنها ترفض أي مساعدات مادية من أي شخص حتي من شقيقتها، وأصرت علي أن تقوم بمهمتها علي أكمل وجه..

يااااا الله لقد أخجلتني بعدما هزت مشاعري بقصتها.. وبعدما سألتني عنه، سرعان ما توجهت مسرعة إلي المكان الذي قامت فيه بتغيير ملابسها البسيطة النظيفة بملابس العمل وانخرطت علي الفور في مهمتها.

 ....................................................

للتواصل.. وإرسال مشكلتك إلى الدكتورة / أميمة السيد:-

  [email protected]

مع رجاء خاص للسادة أصحاب المشاكل بالاختصار وعدم التطويل..  وفضلا..أى رسالة يشترط فيها الرد فقط عبر البريد الإلكتروني فلن ينظر إليها..فالباب هنا لا ينشر اسم صاحب المشكلة، ونشرها يسمح بمشاركات القراء بأرائهم القيمة، بالإضافة إلي أن الجميع يستفيد منها كتجربة فيشارك صاحبها في ثواب التناصح.     

.............................................................................................

تذكرة للقراء:-

السادة القراء أصحاب المشكلات التى عرضت بالموقع الإلكترونى.. على من يود متابعة مشكلته بجريدة المصريون الورقية فسوف تنشر مشكلاتكم بها تباعاً يوم الأحد من كل أسبوع..كما تسعدنا متابعة جميع القراء الأفاضل. 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا