الارشيف / وجهة نظر / المصريون

مكانة الشهادة ومنازل الشهداء عند الله

اختصّ اللهُ عز وجل الشهيد بمكانة سامية سامقة لا تدانيها مكانة.. في الدنيا ويوم القيامة وفي جنات الخلود.. ومن عظيم كرم الله تعالى لهؤلاء الشهداء الذين باعوا أنفسهم من أجل الله، وتساموا على ما يحبون، وتغلبوا على شهواتهم، واسترخصوا الحياة في سبيل الظفر بالشهادة نيْلا لإرضاء لله؛ أنه تعالى اختار لهم خير الأسماء والألقاب.. وخير الذكر.. وخير الخلود... اختار لهم مكانة رفيعة تعد مضرب المثل في العلو والسمو والتسامي والمعالي تلك المكانة التي لا يصل إليها إلا الأنبياء والمرسلون والشهداء، ومَن اختارهم الله تعالى من عباده الصالحين..

لماذا سمي الشهيد شهيدا؟

لقد سمَّى اللهُ تعالى ذلك الشخصَ الذي قُتل في سبيله، وفي سبيل الحفاظ على بيضة الدين، وحماية الوطن "شهيدًا".. والشهيدُ في أصل اللغة من الشهود والحضور، من شهد يشهد شهودا فهو شاهد ومشهود، ولا يكون ذلك إلا بالحياة؛ لذلك فالشهداء أحياء عند ربهم، قال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 169-171).

فهم أحياءٌ، وأرواحهم شاهدة حاضرة، تشهد ما أعدَّه الله تعالى لهم من الكرامة.. وقيل سمَّي الشهيد شهيدا لأن الله تعالى يشهد بنفسه له بحسن نيته وإخلاصه، ولأن روحه شهدت دار السلام في الجنة ودخلتها قبل القيامة وقبل غيره، وقيل لأنَّ ملائكةَ اللهِ شاهدةٌ عليه وشهدت احتضارَه، وقيل لأنه يُشهد له بالأمن من النار، فقد وقّع الشهيدُ عقدًا على صدقه مع ربه؛ لذلك يبعث الله شاهدًا له يوم القيامة وهو دمه الطاهر، الذي سال من أجل الله والدين والوطن.. وقيل سمي شهيدا لأنَّ الشهيدَ جاد بنفسه التي بين جنبيه -وهي أغلى شيء في الوجود- من أجل الله، فكانت هذه شهادة حية وعملية على أن إرضاء ربه أعز إليه من نفسه التي بين جنبيه، إرضاء لله، وحفاظا على الدين والوطن، وبسطا للحق، وإحقاقا له وإزهاقا للباطل.. فيموت الشهيد لينعم غيره بالعيش الرغيد.. يموت ليَسْعَدَ الآخرون.. وأكرم به من إيثار رهيب عزَّ نظيرُه وقلَّ مثيله في هذه الحياة..!!.

وإذا كان الإسلام يكره العدوان، ويبغض الحرب، وينفر من القتل، أو الارتماء في أحضان الموت، أو البراعة في استعراض القوة، أو المباهاة بآلات الحرب وآليات الدمار، فإنه في الوقت نفسه أوضح أن الحرب لا تكون إلا دفاعا عن الدين والأرض والعرض والمال، وردا للعدوان، وبسطا للأمن الشامل، وكسرا لشوكة الأعداء الذين اعتدوا علينا، أو يخططون لذلك.

والنص الشريف الخالد يذكرنا دوما بذلك، يقول (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (... لا تتمنوا لقاءَ العدوِّ واسألوا اللهَ العافيةَ، فإذا لقيتُمُوهم فاصبروا، واعلموا أنَّ الجنةَ تحتَ ظلالِ السيوفِ)، ثم قام النبيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وقال: (اللهم مُنَزِّلَ الكتابِ، ومُجْرِيَ السحابِ، وهازمَ الأحزابِ، اهزمهم وانصُرْنَا عليهم) (أخرجه مسلم في صحيحه).

وتتعاظم الحرب إذا كان العدوُ مجهولا ومباغتًا، ينثر بذورَ الخوفِ في أرض الله، وينشر شرَّه وخبثه وعدوانَه في كل مكان كما يفعل الإرهابيون؛ لذلك كانت الحاجة ماسة دومًا إلى أناس من طراز فريد؛ تساموا فوق الحياة وملذاتها وشهواتها، وسمت مواقفُهم وبطولاتُهم إلى أعلى الأعالي.. باعوا أنفسهم لله.. يرون الجبن والفرار من ساحة المعركة عارًا وبورًا.. إنهم الشهداء..

لذلك اختار الله تعالى لهؤلاء مصطلح (الشهيد) وكأن الله تعالى يُشهد الشهيد، ويجعله جزءا أصيلا من معادلة إحقاق الحق وإزهاق الباطل.

إن الشهداء الأبرار الأبطال عرفوا الحقَ فاتّبعوه، وعرفوا الشرَّ والباطلَ فواجهوه بصدورهم، وقد هانت عليهم الدُّنى؛ فلم تغرهم متعُ الحياة... بل اختاروا طريقَ الخلود وطريقَ الأماجد، طريقا قلَّ سالكوه، وقد أيقنوا أن أرواحَهم أغلى ما يملكون، فقدموها قربانًا إلى الله الكريم، وأراقوا دماءهم في سبيله... فيا لها من تجارة رائجة رابحة، جد رابحة..!!، سلعتها أرواحهم، وثمنها جناتُ الخلود في مواقع الشهود في مقاعد صدق عند مليك مقتدر.. وأكرم بها من تجارة وسعادة.. وأكرم بذلك من فوز عظيم..!!

وصدق القائل العظيم جل وعلا: ?إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ? (التوبة: 111).

تزاحم الصحابة على الشهادة:

لقد أيقن الصحابة الكرام (رضوان الله تعالى عليهم) أهمية الشهادة ومكانة الشهيد؛ فسمت نفوسهم، وتزاحموا على الشهادة، ليضربوا للعالمين أروعَ الأمثال في إيثار ربهم بأرواحهم وتقديمها قربانا له جل وعلا.

فهذا صحابي جليل يسمى عمرو بن الجموح (رضي الله عنه وأرضاه) جاء إلى رسولِ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) يومَ أُحُدٍ فقال: يا رسولَ اللهِ مَن قُتِل اليومَ دخَل الجنَّةَ؟ قال: (نَعم) قال: فوالَّذي نفسي بيدِه لا أرجِعُ إلى أهلي حتَّى أدخُلَ الجنَّةَ، فقال له عُمَرُ بنُ الخطَّابِ: يا عمرُو لا تأَلَّ على اللهِ فقال رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم): (مَهلًا يا عُمَرُ فإنَّ منهم مَن لو أقسَم على اللهِ لَأبَرَّه: منهم عمرُو بنُ الجَموحِ يخُوضُ في الجنَّةِ بعَرْجَتِه) (صحيح ابن حبان).

 وهذا صحابي آخر يسمي خيثمة أبو سعيد، يقول للنبي الكريم، وهو في طريقه إلى غزوة أُحد: يا رسول الله، إمَّا أنْ يُظهرنا الله عليهم، أو تكون الأخرى، وهي الشهادة التي أخطأَتْني في غزوة بدر، فلقد بلَغ من حِرْصي عليها يا رسول الله أنِّي استهمتُ -أي أجريت قرعة- أنا وابني في الخروج إلى معركة بدر؛ ليبقى أحدُنا يعولُ الأهلَ، وخرَج السهمُ له وذهَب إلى القتال في بدر، ورزَقه اللهُ الشهادةَ، وقد رأيتُ ابني البارحة في المنام وهو يقول لي: "الْحِقْ بنا يا أبتِ، ورافقني في الجنة؛ فقد وجدتُ ما وعَدني ربِّي حقًّا". والرجل يبكي ويقول للنبي بإلحاح: لقد أصبحتُ مشتاقًا إلى مرافقة ابني، ومَن معه مِن الشهداء، كما أحببتُ لقاءَ الله؛ فادعُ الله لي بالشهادة يا رسول الله.

أنواع الشهيد:

تتنوع الشهادة إلى ثلاثة أنواع، الأول: شهيد الدنيا والآخرة، الثاني: شهيد الدنيا، الثالث: شهيد الآخرة

•     فشهيد الدنيا والآخرة، هو الشهيد الذي قتل في ساحة المعركة من أجل الله، ومن أجل الدين والوطن مخلصا لله، مقبلا على الشهادة غير مدبر أو مولي الأدبار.

•     وشهيد الدنيا، هو مَن دخل المعركةَ ليس لأجل الله، ولكن من أجل الدنيا؛ ليتحاكى الناس عن قوته وشجاعته وبطشه وشدته، أو دخلها رياء وسمعة، أو دخلها من أجل تحصيل الغنيمة، أو سرق من الأنفال، أو غلَّ منها، أو مَن مات فارًا من الحرب أو موليا الأدبار والعياذ بالله..

فعن أبي موسى الأشعري (رضي الله عنه)، قال: قال أعرابي للنبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): الرجلُ يُقاتلُ للمغنمِ، والرجلُ يقاتلُ ليُذْكَرَ، ويُقاتِلُ ليُرَى مكانُهُ، من في سبيلِ اللهِ؟ فقال: (من قاتلَ، لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا، فهوَ في سبيلِ اللهِ) (أخرجه البخاري في صحيحه).

•     وشهيد الآخرة، أصناف كثيرة عدَّها السيوطي ثلاثين، وزاد بعضهم عن ذلك بكثير.. ومنها: المقتول دون ماله، والمقتول دون عرضه، والمقتول دون مظلمته، والمقتول دون دينه، والمقتول دون أهله، وطالب الشهادة، والمقتول في طلب العلم، والمقتول في الغربة، ومَن مات مريضا بالطاعون، وكذا مَن مات مبطونًا، أو غرقًا أو حرقًا فهو شهيد..

يقول رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدة) (أخرجه أبو داود في سننه). ويلحق بهم مَن مات مِن أصحاب المصائر الفاجعة التي تُصيب الناس، لذلك توسع العلماء فيها قياسًا على هذا الحديث الشريف.

أحكام الشهيد:

الشهيد الذي قتل في المعركة (له أحكام فقهية تخصه وحده فقط)، أهمها:

-أنه لا يُغسَّل، حيث ذهب جمهور الفقهاء أن الشهيد الذي يُقتل في المعركة لا يُغسل، ويدفن بثيابه التي استشهد فيها، ولا يجوز أن يُنزع ثيابه، بل يجب أن تنزع عنه الجلود والحديد. فقد أخرج أبو داود في سننه أن النبي (عليه الصلاة والسلام)، في غزوة أُحد، أمر أن يُنزع عن الشهداء الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم. أهـ.

- يستحب تكفين الشهيد بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه التي قُتل فيها،كما فعل النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بسيدنا مصعب بن عمير، وبسيدنا حمزة بن عبد المطلب (رضي الله عنهما).

- أنه يجوز أن نصلي على الشهيد، ويجوز أيضًا ترك الصلاة عليه، وكلاهما أمر حسن. فقد ثبت أن رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) صلى على الشهداء، وثبت أيضًا أنه ترك الصلاة على شهداء آخرين، فكلا الأمرين حسن.. والله تعالى أعلى أعلم.

مظاهر تكريم الله تعالى للشهادة والشهيد:

للشهداء فضل لا تحتويه العبارة، ويكفيهم فضلا أنهم دخلوا إلى السعادة من أبواب الله، ودخلوا إلى الطمأنينة في معية الله، وتشرفوا باللِّواذ بِجَلال الله وجماله... وفي السطور التالية نتحدث عن بعض مظاهر تكريم الله عز وجل للشهادة والشهيد، ومنها:

1.    أن الشهادة في سبيل الله درجة عالية من الحياة، لا يَهبُها الله تعالى إلا لمن يَستحقُّها، فهي اختيار من العلي الأعلى الوهاب للصفوة من البشر؛ ليَعيشوا مع الملأ الأعلى؛ ذلك لأن الشهيد لما بذل حياته لله، أعطاه اللهُ حياةً أكمل منها، حيث يحيا مع الله الذي مَنَّ عليه بالحياة الأبدية، فكان موت الشهيد حياة له وكان موته حياة للأمة من بعده.

2.      أن الشهيد أصاب الفردوس الأعلى، والأجر العظيم، والفوز المبين والكرامة العليا، كما أن الشهادة في سبيل الله طريق مباشر إلى الجنة، ففي معركة بدر، وعندما التقى المسلمون بالمشركين، قال النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (قوموا إلى جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ) (رواه مسلم).

3.    أن الله تعالى جعل الشهداء مَضْرِبَ المثل في الإخلاص والدرجات العلا، بعد النبيين والصديقين: قال الله تعالى: ?وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً?(النساء: 69).

4.    أن الله جعلهم من أصحاب التجارة الرابحة، فقد ربح بيع نفوسهم لمولاهم.

5.    أن الله تعالى جعل لهم "مكانة العندية"، فهم عند ربهم، في معيته وفي جنابه الأعلى. قال الله تعالى: ?وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ? وجعل لهم المغفرة والأجر العظيم والنور المبين، قال تعالى: ?وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ? (آل عمران: 157)، وقوله تعالى: ?وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا? (النساء: 74)

6.    أن الله تعالى جعلهم من المصطفين فقال ?وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ? (آل عمران: 140)، إنها اصطفاء وانتقاء للأفذاذ من البشر؛ ليكونوا في صحبة الأنبياء ?وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا? (النساء: 69).

7.    أن الله تعالى جعل الشهداء في مأمن فلا يفزعون حين يفزع الناس، ولا يخافون حين يخاف الناس، قال تعالى: ?فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا? (النساء: 74).

8.    أن الله تعالى جعل الشهيد شفيعا لسبعين من أهل بيته، فعن النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال: (الشَّهيدُ يُشفَّعُ في سبعين من أهلِ بيتِه) (أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب وإسناه صحيح).

9.    أن الله تعالى جعل الله تعالى أرواح الشهداء في حواصل طير خضر.

10.         أن الله تعالى أمَّن الشهيد من فتنة القبر، ويُجار من عذابه، ولا يسأله الملكان.. قال رجل يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلا الشَّهِيدَ قَالَ (كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً) (الترغيب والترهيب وإسناده صحيح). فالشهيد لا يسأله الملكان في قبره. ولعل السبب في ذلك أنه قد اُمتحن بأهوال الحرب حتى استشهد؛ فكان ذلك امتحانًا كافيًا في الدلالة على قوة إيمانه وصدقه المبين مع ربِّ العالمن.

11.         أن الشهداء يأمون من الفزع الأكبر، ولا يُصعقون من النفخ في الصور، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي اللَّهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أنه سأل جبريل عليه السلام عن هذه الآية؟ ?وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ? فأخبره أن الشهداء هم المستثنون من الصعق في الآية.

12.         أن الله تعالى أسقط عن الشهيد ذنوبه وكتب له المغفرة عند سقوط أول قطرة من دمه، يقول النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (للشهيدِ عندَ اللهِ ستُّ خصالٍ:  يُغفرُ لهُ في أولِ دفعةٍ، ويَرى مقعدَهُ منَ الجنةِ، ويُجارُ منْ عذابِ القبرِ، ويأمنُ منَ الفزعِ الأكبرِ، ويُوضعُ على رأسِهِ تاجُ الوقارِ، الياقوتةُ منها خيرٌ منَ الدنيا وما فيها، ويُزوَّجُ اثنتينِ وسبعينَ زوجةً من الحورِ العينِ، ويُشفَّعُ في سبعينَ منْ أقاربِهِ) (أخرجه الترمذي في سننه).

13.         أن الشهيد رائحة دمه مسكٌ يوم القيامة، وتفوح منه هذه الرائحة العطرة، ليكوم مُمَيَزًا ومُتَمَيِّزًا في ساحة الحساب.

14.         أن الشهداء يُرزَقون ورزقُهم من الله؛ ومن ثَمَّ فهم فرِحُون بما أَعطاهم الله، ويستَبشِرون بإخوانهم القادِمين عليهم.

15.         أن الله تعالى جعل للشهيد عُرسًا، حيث يزوجهم الله بالحور العين اللاتي ذكرهن الله تعالى في كتابه بقوله: ?فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ *فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ? (الرحمن: 56 -58).

16.         الشهيد لا يجد ألم القتل ولا يشعر به، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (ما يجدُ الشهيدُ من مَسِّ القتلِ إلا كما يجدُ أحدكم من مَسِّ القَرْصَةِ)(أخرجه الترمذي في سننه).

17.         أن الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا لكي يُقتل عشر مرات، فعن أنس (رضي الله عنه) أن النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال: (ما أحَدٌ يدخلُ الجنَّةَ، يحبُّ أن يرجِعَ إلى الدُّنيا ولَهُ ما علَى الأرضِ مِن شيءٍ إلَّا الشَّهيدُ يتمنَّى أن يرجعَ إلى الدُّنيا فيُقتلَ عَشرَ مرَّاتٍ، لما يَرى منَ الكَرامةِ) (أخرجه البخاري في صحيحه).

18.         أن الشهيد يجري عليه عمله حتى يبعث، ولا ينقطع عمله حتى قيام الساعة.

19.         أن الشهيد لا يفضله النبيون إلا بدرجة واحدة.

20.         أن مَن طلب الشهادة صادقا بلَّغه ربه منازل الشهداء، فعلينا أن نجتهد ونُخلص في طلب الشهادة حتى يعطينا الله أجرها؛ فالنبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أعلنها مدوية في سمع الزمان بقوله: (مَن سأَل اللهَ الشَّهادةَ صادقًا مِن قلبِه أعطاه منازِلَ الشُّهداءِ وإنْ مات على فِراشِه) (أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط).

حقوق أسر الشهداء:

وإذا كان الشهيد قد ضحى بنفسه؛ لنعيش نحن.. ونأمن نحن.. ونسعد نحن.. فإنه من الواجب الآكد علينا جميعا أن نرعى أسر الشهداء، فقد كان النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يزور أسر الشهداء ويتفقد أحوالهم، ويواسيهم، ويجبر خاطرهم، ويبشيرهم، وينفق على أبناءهم وذويهم ويساعدهم هو والصحابة الأخيار.

كما جاء التحذير الشديد من خيانتهم في أهليهم، وتعظيم حرمة ذلك، فعن بريدة (رضي الله عنه): قال: قال رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (حُرمَةُ نِساءِ المُجاهِدينَ على القاعِدينَ، كحُرمَةِ أُمَّهاتِهم. وما مِن رجُلٍ منَ القاعِدينَ يَخلُفُ رجُلًا منَ المُجاهِدينَ في أهلِه، فيَخونُه فيهِم، إلَّا وقَف له يومَ القيامَةِ، فيَأخُذُ من عمَلِه ما شاء. فما ظَنُّكم؟). وفي روايةٍ: فقال: (فخُذْ من حسَناتِه ما شِئتَ). فالتفَت إلينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: (فما ظَنُّكم؟) (أخرجه مسلم في صحيحه). وهكذا فإِنَّ حِمايةَ المجتمَعِ المسلِمِ لنِساءِ المُجاهدين والحِفاظَ عَليهنَّ، مِمَّا يُعينُ على الجِهادِ في سبيلِ اللهِ؛ لأنَّ المرابط سيأمَنُ على مَنْ يَترُكُ من زَوجَةٍ وأبناءٍ؛ لذلك شَدَّد النَّبيُّ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) على حُرمَةِ نِساءِ المُجاهِدين، وغَلَّظَ مِن شأنِ النَّيلِ منهم أو انتِهاكِ حُرْمتهنَّ، وجَعَلَ نِساءَهم في الحُرمَةِ كأُمَّهاتِ القاعِدين، ومن ثم يحرم التَّعرُّضِ لَهُنَّ برِيبَةٍ أو فَسادٍ، ويجب القيامِ بقَضاءِ حَوائِجِهنَّ ورِعايَةِ أُمورِهنَّ، كما يَرعَى الإنسانُ حُرمَةَ أُمِّه،ويَقومُ على قَضاءِ حَوائِجِها، وفي الحديث بيانُ عِظَمِ إثمِ مَن خان المجاهدَ في أهلِه ونِسائِه وخَلَفَه فيهم بِشَرٍّ، موضحًا أنَّ مَن فَعَلَ ذلك إلَّا وَقَفَ له المُجاهدُ، فيَأخذُ مِن عملِ الخائنِ أي: مِن حَسناتِه ما شاء. وقَولُه (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم): (فما ظَنُّكم؟) أي: فما ظَنُّكم باللهِ عزَّ وجلَّ أنَّه يَصنَعُ مع هذا الخائنِ مِنَ العذابِ الشَّديدِ، وفي هذا منَ الوَعيدِ والزَّجرِ والتَّهديدِ ما فيه.؛ لتعظيم حرمة أسر الشهداء.

وبعد.. فنهيئا لكم أيها الأبطال الأبرار.. هنيئا لكم وأنتم تحاربون الأشرار.. هنيئا لكم وأنتم تحاربون أناسًا باعوا أنفسهم للشيطان، وباعوا آخرتهم بدنياهم.. هنيئا لكم وأنتم تجاهدون من أجل تخليص البلاد والعباد بل والعالم كله من شر هؤلاء الإرهابيين الأوغاد، الذين صدَّروا للعالم صورة سيئة عن ديننا الحنيف، وهو منهم ومَن على شاكلتهم براء براء.

هنيئا لكم أيها السادة الشهداء والمرابطون لحراسة الدين والوطن والعرض والمال، وصدق الرسول الكريم القائل فيما أخرجه الترمذي في سننه: (عَينانِ لا تمَسَّهما النَّارُ: عينٌ بكت من خشيةِ اللهِ، وعينٌ باتت تحرسُ في سبيل اللهِ). وبالله تعالى التوفيق.

***

الدكتور/ أحمد علي سليمان

الفيس بوك

https://www.facebook.com/profile.php?id=100000740887758

الصفحة الرسمية

https://www.facebook.com/drahmedalisoliman/?fref=ts

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا