أخبار العالم / أبابيل نت

نور ناجي في وكر الذئاب..

  • 1/2
  • 2/2

مخاوف ٨

في وكر الذئاب ..

في البدء كانت تغريدة في تويتر شدتني وبقوة : ‏”نورا فينسنت” كاتبة أمريكية تنكرت كرجل وعاشت وكأنها واحدة منهم 18 شهر وكوّنت صداقات ولم يشك أحد بها، في النهاية قالت: الرجال فيهم كرم، شهامة، لطف، يعانون الكثير لأنهم لايستطيعون التعبير عن مشاعرهم مثلنا، ونتيجة لذلك ذهبت لطبيب نفسي ليعالجها من كبتها لمشاعرها…

كانت آخر حروف هذه التغريدة هي بداية المغامرة التي قررت خوضها .. لم لا ؟! أن تدخل حقل ألغام، عالم الذئاب المفترسة المتخصصة في سكب دموع النساء مغامرة تستحق نتائجها النساء عن جدارة، ليس بالأمر السيء أن أكون صاحبة الفضل لفضح ذلك المجهول، لا أطالب بالكثير مجرد إجابة عن تساؤل يشغل ذهن النساء، لماذا يولد الذكور اوغاد، ولماذا يعشقون كونهم اوغاد؟!، سر سيكشف على يدي لينشر على حبل غسيل النساء ليأخذن حذرهم منه ويتدبرن الاحتياطات الكافية له، كما أنها أمنية داعبت وراودت احلام معظم الفتيات في الصغر، دخولنا عالم لا محضور فيه ولا ممنوع، فامتلاك نواصي الحرية يشترط عليك في المقام الأول والأخير ان تكون صبي..

قررت دخول تلك المغامرة التي سبقتني فيها الكاتبة الأمريكية، وأنا مدركة تماماً لمخاطرها، لن أنكر تخوفي الشديد من خوضها، فذئاب اليمن أشد شراسه من ذئاب العالم مجتمعة، لكني استسلمت لاقداري، ما الذي سيحدث في أسواء الظروف ؟!، اطمئنوا سلم الله ومرت المغامرة بسلام بدليل أني أكتب هذه الحروف..

وقفت أمام المرآة بثوب اخي ” والكوت حقه ” وأنا أربت على كرشي بعد أن علقت عليها حزام الجنبية، جاءت اللحظة التي سأستفيد فيها من هذه الكرش.. أولى المعلومات التي توصلت إليها وأنا أضع الشارب المزيف أسفل أنفي أن الرجال لا يضيعون الوقت الكثير أمام المرآة، وكانت هذه النقطة في صالحهم، جربت صوتي الجديد وكأني مشغل أغاني دي جي للأعراس :” واحد، اثنين، ثلاثة” ، سأحاول أن اقتضب في الحديث قدر ما أمكن، فقد جئت لأسمع وادون، واريح لساني الثرثار هذا النهار ..

عبرت الحراسة ودخلت ديوان جارنا المفتوح دائماً، الشيخ المستجد الذي حصل على المشيخة من الرئيس السابق نكاية في شيخ آخر يعاني من ثقل في روح الفكاهة والفهم السريع، أخفي معظم ملامحي في المشدة وقد اخترعت قصة وصولي من سفر مضني وانتظاري لعاقل الحارة الذي سيكون هنا قريباً، من حسن الحظ أن الديوان لم يكن مكتظ ذلك النهار، يقتصر على بضعة رجال متفرقين في انحائه..

اتخذت ركن منزوي وقد قررت الابتعاد قدر الإمكان عن الجميع، حاولت اختيار وضعية مريحة في للجلوس إلا أن ذلك الأمر كان مستحيل من خلال الثياب التي ارتديها، تيارات الهواء تعبر بك كانك ملتقى رياح الخماسين، كنت حكيمة حين اخترت ذلك السروال الذي يشبه سروال العمدة سليمان غانم ويصد الكثير، لم أكد استقر حتى اقتحم المكان رجل في الثلاثين من عمره وحيا الجميع بهزة كئيبة من رأسه وجلس مجاوراً لي، فتح كيس القات ليمضغ أوراقه، لم أجد فيه ما يخيف وقد قرر عدم الالتفات لي أو محاولة فتح حديث جانبي ..

” أيوة يا سيدي وعيني، انت سيدنا اليوم زي ما كان أبوك وأبو ابوك !!”، استنفرت حواسي حين سمعت الشيخ يقول تلك العبارة لأحدهم، كيف يقبل على نفسه إطلاق لقب سيدي لشخص آخر، وهو يدعي المشيخة والجدعنة !!، كيف يقبل أي إنسان ذلك حتى وإن لم ” يقتبع قبعة شيخ “، أمسكت لساني قبل أن يثور وأنا أذكره بوعده لي بالتزام الصمت والأدب، حتى فوجئت بأن أغلب من في الديوان يطلقون اللقب على ذلك ” السيد والعين “، ولكنها لم تكن تعبيرا عن الولاء والطاعة بقدر ما قيلت بسخرية مبطنة، لم يكن الشيخ هو الوحيد الساخر، جميع من في المكان لم يحرم نفسه من تلك المتعة، حتى الصامت بجواري قالها عبر هزة من رأسه وبإشارة ليس من مجال لوصفها في هذا المنشور ..

وضعت بحثي عن سر ” الموغادة ” جانباً حين بداء الجميع في حوار ساخن عن أخبار المعارك، لا صوت يعلو على صوتها ولن يضير النساء التأخر بضع دقائق عن إيجاد جواب شافي لهن .. يتقدم الجيش هنا ويتراجع هناك، تتلاحق الاخبار وتتزاحم عبر الافواه، والغريب في ما اسمع من حوار دائر أني لم استطيع فعلا تحديد من يقف مع من، اخبارهم معلقة بلا مشاعر وكأن من يرددها انسان آلي او خبر بارد على شريط الاخبار، لعل شريط الأخبار أكثر تفاعلا مما أراه، على عكسنا نحن النساء اللواتي نملك من الجرأة ما يجعلنا نقول ما نريده مزيناً بالفاظ ” تبرد القلب “..

حتى ذلك العصبي بعروق رقبته التي تنتفض بشدة وهو يقسم بالأيمان المغلظة أن فرضة نهم لم تعد في مكانها، اختفت أمام عينيه التي سيأكلهما الدود، وبشكل عجيب حتى لم تعد مرئية عن صنعاء، لم أستطع تبين إن كان سعيداً بذلك الإبتعاد أم غاضب وناقم عليه؟!.. بالطبع لقد تباعدت الفرضة عن صنعاء، وليس الجن هم من أخفوها، البشر أكثر دهاء من جيراننا من بني الجن ، اوغاد بما يكفي لاخفاء العالم بأسره أن وجدوا في ذلك مصلحة لهم مجرد إرادة وطلقات رصاص وينتهي كل شيء ..

قاطعتني تنهيدة حارة من الساكن بجواري، يبدو من ملامحه أنه واقع في مشكلة عاطفية، من الصعب أن تمر امامي إحدى تلك المشاكلات دون أن تصلني رائحتها، وهذا هو ما جئت أبحث عنه في المقام الأول، لا يبدو عليه أنه وغد متمرس، فأملت رأسي له هامسة :” صلي على النبي يا اخي ، خير ايش فيه ؟!” ، هز الرجل رأسه بأسى نافياً أن لا شيء، قبل أن يلجم لساني ويضع سماعاته على أذنيه ويعيد تنهيداته مع محمد عبده المتكوم والمكتوم في هاتفه، تركته مع نفسه قليلا، سيتحدث بعد لحظات، لا تصمت النساء أكثر من ثلاث دقائق وأربعة وعشرون ثانية بتوقيت صنعاء ” وعلى الساكن خارجها مراعاة فروق التوقيت”، قبل أن تبداء بالشكاء والنوح..

ارتفعت فجأة نبرات صوت رجل في منتصف عمره يتصدر صدر المقبل ويبدو من شكله أنه من ذلك النوع الذي يقراء كثيراً، تلك النظرات الزائغة والشفاة المقلوبة بامتعاض ليست غريبة علي :” أوكد لكم وصوله الصين، واحتلاله جميع دول العالم القديم لكنهم يخفون أسرار ” شمر يهرعش ” عن العالم حتى لا نفكر باستعادة أمجاده “، قاطعه أحدهم وقد أزاح جزء من المشدة من على رأسه وأخذ يهرش في شعره :” هل تملك آلة حاسبة ؟!”، تفاجأ الجميع من طلب الرجل قبل أن يعودوا لحفيد شمر يهرعش وهو يكرر جملته بذات الحروف وبأسنان جز عليها، كأن صوت صرير الأسنان هو الدليل العملي على صدق ما يقول .. لم أحاول أنا أو غيري مجادلته، أن كان على يقين بتاريخه بهذا الشكل لماذا إذن يطلب الاذن من العالم لاستعادة ما يحسبه له ؟! ..

عادت التنهيدات تحرقني جانبي مستفزة، فعدت لجاري “لماذا انت صامت هكذا، فضفض يا اخويا، الكتمان مش حلو علشانك!!”، لكن الرجل مصمم على عدم البوح ، ما هذا الغباء لماذا هذه السرية المفرطة!!، لا نخفي في البلد أسرار الدولة العسكرية بهذا الشكل المبالغ فيه، نحن بلد كل ما فيه شفاف وواضح، ولن تتجاوز مشكلته معركة مع زوجة أو قصة حب جديدة يبحث لها عن متنفس!!..

أدرت وجهي عنه وانا اشعر بأني اضيع وقتي مع مجرد وغد صامت، والتفت لساحة الديوان، أشار لي ذات الرجل الذي يطالب بآلة حاسبة :” هييه أنت ؟! “، قشعريرة باردة سرت في أنحاء جسدي.. ” كشف أمري ” مهما حاولت لن استطيع توصيف حالتي، لكن ،،،،كيف للفأر ان يصف شعور حين يقبض عليه القط ويستعد لالتهامه..

انتهى الجزء الأول من مغامرتي، ادعو لي بالستر وبالتخلص من ورطتي

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا