أخبار العالم / أبابيل نت

نور ناجي: نهاية ” ضبع “

نور ناجي

لم يخلق شيء في هذا الكون هباء وعبث، يقولها وقد إعتاد على كنيته الجديدة وبدأ باستساغة مذاقها الخاص، قبض على نفسه أكثر من مرة يردده على طبلتي أذنه قبل أن يغفو في نومه، ” الضبع ” أو ” أبو الضبع” حين يملك المنادي له حس دعابة…

ربما فوجئ به وازعجه في بادئ الأمر، ” فآكل الجيف والقمام ” كما تدعوه كتب العلوم ليس مناسب له، ولم تك مقارنته بالذباب والعقابان منصفة كما يرى، فالضبع صياد ماهر مقتنص للفرص، فرد مهم في منظومة سلاسل غذائية قديمة قدم وجود الحياة على سطح الأرض، عمل تحتمه عليه طبيعته البشرية، أولم يكن الإنسان أول آكلي الجيف قبل أن يتعلم الصيد ويربي الماشية ؟!..

يكره نفاق بني البشر، ليس التصاق الكنية به سبب في تجاهلهم لآكلات الجيف التي لا يخلو منها مجتمع أبداً، وقوعه في أسفل سلمها البشري جعله مرئي على عكس الآكلات الكبيرة الحجم التي تخفي نفسها تحت بدل وعطور غالية الثمن وتقف هي الأخرى متربصة ببريقها الحاد تؤدي نفس وظيفته، لكن في مستويات عالية قد لا يصل إليها أبدا..

تزداد حاجة الحروب لمن هو على شاكلته، فهو السّباق في انتهاش الجثث الفاغرة على الأرض، ينظر لملامحها المتصلبة بدهشة وتعجب قبل أن يعود لمزاولة عمله، ” لماذا تلقي بنفسها للتهلكه وبأستطاعتها البقاء متخفية مثله، محتفظة بأنفاسها خلف جرف خفي أو أكمة كثيفة، حتى تنتهي المعركة فتنقض على الجثث لانتزاع ما عليها؟! “..

كان كالموت لا يميز بين الأطراف المتصارعة، يبحث في همة ونشاط بين ثنايا الضحايا، لم تقنعه الحروز الحديدية، أو الثياب العسكرية لمحاباة طرف ضد الآخر أو لتخليه عن لحظة اقتناص..

لكن الجثث النظامية أكثر ثراء من غيرها، جعبتها أكثر امتلاء، تكفيه أحيانا فردتي حذاء ثقيل للمفاوضة على ثمنها المرتفع..

سرقة الهواتف المحمولة للجثث هي أكثر ما يثير شغفه، وهي تحرض جنونه بنغمات الرسائل الواردة التي لم يعلم مرسلها بعد بانتقال الهاتف لملكيتة، رعشة خدر لذيذة تنعشه لحظة تقمصه لدور القتيل..

لم يكتفي بنهش الجسد الميت بل امتدت شهيته طوال الليل لتنهش ما هو أكثر لذة خلف حجب بعيدة، والد يسعى للاطمئنان أو أم ملتاعة، يقضي لياليه الطويلة يفرغ رجولته على محادثات حب متبادلة بين عاشقين امتهنا الكذب على بعضهما البعض، وهما موقنان بانتفاء فرص لقياهم أو انخفاضها في أحسن الأحوال، لم يكن يترك ذلك اللحم الملهوف حتى يلزمه بإرسال ما يثبت له حبه!!، صورة كانت أو تسجيل صوتي يقضي عليها ليلته كضبع مستثار..

للموت وجوه مثيرة للشغف المجنون..

سمع باقتراب معركة ما، حدسه ينبئه بأنها حقيقية هذه المرة سيقترب منها قدر ما أمكنه حتى تبتعد نيران الأباتشي تاركه له وجبات طازجة يقبض على حصته منها ..

اغمض عينيه ليبعد الطريق المتعرج عن ناظريه، يكره الارتفاعات الشاهقة لكن التنقل المستمر هي ضريبة عمله، تجاهل المنحدرات الشديدة، وجسده ينتفض بنشوة غنائمه القادمة، فلم ينتبه لعجلة العربة وهي تقتلع نفسها من موضعها لتطير مبتعدة..

كابوس مزعج لا يتذكر منه سوى إنقلاب العربة رأسا على عقب عدة مرات على المنحدر الشديد قبل أن تستقر على مزرعة يابسة أسفله.. ينسى المرؤ وقت الحروب أن الموت التقليدي مازال يقوم بمهامه بعيداً عن ساحات القتال!..

فتح عينيه بصعوبة، لم يستطع تبين إن كانت أطرافه مازالت ثابتة في موضعها أو أنها انتزعت منه، لحظات أو ساعات وهو في غيبوبة متقطعة، يبدو أن جميع ركاب العربة فارقوا الحياة، هل حقائبهم ممتلئة كما يفترض بها أن تكون؟!، لم يستطع منع نفسه من التساؤل قبل أن تقاطعه يد تتلمس صدره الممزق..

رفع جفنيه بصعوبة ليواجه شبح جسد هزيل، أعاد اغماضهما وظل ابتسامة ساخرة يرتسم في خياله، لم يكن الفتى سوى ضبع صغير أقرب لذبابة، يبدو من حركة يده الثقيلة أنه مستجد على المهنة، يفتش جيوبه بجلافة مرتعشة وعيناه تتلفت حوله خشية القبض عليه..

لم يستطع إيقافه أو الاعتراض على ما يفعل، يحتاج لدروس كثيرة تخرجه من طور الذبابة المزعجه ليمسي بعدها ضبع متمرس مكتمل الشخصية، شعر بقبضة الفتى تمسك بهاتفه المختبىء قبل أن يغادره لجسد آخر ..

لم يقوى على الضحك أو حتى الابتسام وقد انتشر خدر غريب في أنحاء جسده، أطبق على جفنيه للمرة الأخيرة، وهو يتخيل أزيز الذبابة الصغيرة تجيب على رسائله وتقضي معها أمسية رائعة !!..

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا