أخر الأخبار / المصرى اليوم

هل المبدعون ملتزمون بصوم رمضان؟

اشترك لتصلك أهم الأخبار

أتمنى أن يقوم المركز القومى للبحوث الاجتماعية، أو أى مركز بحثى آخر من المراكز ذات المناهج والأساليب العلمية المنضبطة، بإجراء بحث عن مدى التزام المشتغلين بالفن والإبداع فى مختلف مجالاته (الفن التشكيلى ـ الموسيقى ـ المسرح ـ الشعر...الخ) مدى التزامهم بصوم شهر رمضان!!،.. ودون استباق للنتائج التى يمكن أن يتوصل إليها مثل ذلك البحث، فإننى شخصيا ـ وبحكم معايشتى لعدد لا بأس به منهم، لا أشك فى أن الكثيرين منهم ملتزمون شأنهم فى ذلك شأن الأغلبية الغالبة من المسلمين، لكننى فى نفس الوقت أميل إلى الاعتقاد بأن نسبة الالتزام بينهم ـ وبوجه خاص بين المثقفين منهم ـ أقل من مثيلتها بين العوام!، وأعتقد أن هذا أمر طبيعى ومتوقع، فالمبدع بحكم تكوينه النفسى شخص متمرد على المألوف والموروث، وكثيرا ما يجنح به هذا التمرد إلى حد الشطط الذى يصل فى بعض الأحيان إلى نتائج صادمة، وإذا أخذنا الشعر العربى ـ الذى هو فن العربية الأول مثالا ـ ونظرنا من خلال تراثه الممتد، وجدنا الكثير من القصائد التى ترحب بشهر رمضان حين يهل هلاله وتشيد بفضله وكرمه ثم تودعه حين يشرف على الرحيل.. لكن أغلب القصائد من هذا النوع ـ إن لم يكن كلها تقريبا ـ تكتفى بترديد العبارات المحفوظة والمعانى المكررة ذاتها، وتكاد أن تكون خالية من الصورة المبتكرة أو من المعنى الطريف، وفى مقابل ذلك نجد أن الشعراء الذى لا يخفون ضيقهم من الصوم وتبرمهم منه يقدمون لنا من الصور ما يبهرنا حتى لو كانت بعض صورهم تصدمنا. خذ مثلا قول ابن الرومى: شهرالصيام مبارك ..

مالم يكن فى شهر آب ــ خفت العذاب فصمته .. فوقعت فى نفس العذاب!!.. وابن الرومى هنا يصدمنا حين يشكك فى ثابت من ثوابتنا وهو أن رمضان شهر مبارك فى كل الأحوال.. فهو يستثنى من ذلك أن يتوافق مع (أغسطس)، حيث يصبح الصوم عذابا جديدا وكأنما هو قد حاول بالصوم أن يهرب من سعير الآخرة فوقع فى سعير عذاب الصوم ذاته!.. وإلى معنى قريب من هذا يذهب الحسن ابن هانئ الذى يقول: أوفق الأشهر لى .. أبعدها عن رمضان!.. أى أنه لا يشعر بالأمان إلا إذا ابتعد عن رمضان بأكبر عدد ممكن من الشهور!!.. أما شاعرنا الكبير أحمد شوقى فقد عبر عن ابتهاجه برحيل رمضان فى قصيدته الشهيرة: «رمضان ولى هاتها ياساقى.. مشتاقة تسعى إلى مشتاق.. وإن حاول بعد ذلك أن يعتذر عنها بأنها مجرد تهويم من تهويمات الشعراء الذين هم كما وصفهم القرآن الكريم فى كل واد يهيمون ويقولون مالا يفعلون.. أما أطرف وصف لطول شهر رمضان فهو ذلك الوصف الذى أطلقه أحد الشعراء على عرقوب فتاة رشحها له أهله لخطبتها حين قال: «نبئت أن فتاة كنت أخطبها.. عرقوبها مثل شهر الصوم فى الطول!!..

وبهذا الوصف استطاع الشاعر أن يصطاد عصفورين بحجر واحد، فيعبر عن ضيقه بطول العرقوب وطول الشهر فى آن واحد!. ربما يقول قائل إن النماذج التى أوردتها منذ قليل هى نماذج شاذة منحرفة لبعض المبدعين الخارجين، وقد يكون هذا القول صحيحا، لكنه محتاج إلى توثيق إحصائى دقيق، والتوثيق كما سلفت الإشارة فى بداية المقال هو من مهام المراكز البحثية المتخصصة فهل سنتوقع من إحداها أن تقوم بهذه الدراسة وأن تنشر النتائج، أم أنها كعادة الكثيرين من المنتسبين إليها يتحرجون من التطرق إلى المسائل التى قد تنطوى على حساسية معينة، وهذا هو فى ما يعرقل المواجهة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا